الأربعاء، 7 مارس 2012

أصولٌ في اللياقة الفكرية (4)

   الــوعـي  
   كثيراً ما نردِّد كلمة "الوعي" ، متنادين لتمثُّل هذا الوصف في أنفسنا .  
   وكثيراً مانسمع عبارةً من قبيل : "فلانٌ من الناس واعٍ" ، فنفهم حين سماع تلك العبارة أنها قيلت في مقام المدح لذلك الشخص أو الإعجاب به .    
   وما من شكٍ أنّها صفةٌ حميدةٌ ، وليس ذلك ممايحتاج إلى تطويلٍ ولاتدليل ، وليس هنالك مسربٌ للشك في أن الإنسان الواعي خيرٌ من غير الواعي .   
   ولكنَّنا قبل أن نتنافس على تحصيل الوعي ، أو أن نتنافس على التسابق في درجاته ، لابد قبل ذلك أن نتسائل عن المقصود من كلمة "الوعي" ، لنتبيِّن المحتوى اللفظي لهذه المفردة ، فنقول في مقام الجواب :   
   نلاحظ عند استعمال هذه الكلمة أنَّها ، في جانبٍ من جوانب استعمالها ، توجَّه إلى قضايا حياة الإنسان المهمَّة ومايتصل بحياته من مشاكل ، فيقال : "فلانٌ واعٍ في التعامل مع مشاكل أبنائه " ، أو : " فلانة تعاملت مع زوجها في فترة مشاكله ومتعابه بما يجب ؛ لأنها كانت واعيةً لتلك المشاكل " .. إلخ .
   هذا ، وإننا لو تبصَّرنا في طريقة استعمال هذه اللفظة ، رابطين بين موارد استعمالها ، لاتضح لنا المرمى من وراء استعمال هذه الكلمة ، في السياق الذي تكون هذه الكلمة مورداً للإعجاب والثناء .   
   ومن أجل أن "نستخرج" المقصود من استعمال هذه الكلمة [1] ، فلنقُم بمقارنةٍ بسيطةٍ للعبارتين التاليتين :  
أ‌)       فلانٌ كان واعياً لمشكلته فحلَّها بنجاح .  
ب‌)  فلانٌ لم يكن واعياً لمشكلته فأخفق في حلِّها .  
   العبارتان واضحتان في مرماهما ، فكل واحدٍ من الشخصين المعنيين كان يعاني مشكلةً ما ، غير أن الأول " وعى " مشكلته فحلَّها لامتلاكه للوعي ، أي أنَّ الحلَّ لم يكن صُدفةً ولاجُزافاً .. أما الطرف الثاني فقد أخفق كما هو واضح لفقدانه للوعي المطلوب بمشكلته .     
   ونحن نعلمُ أنَّ حلَّ المشاكل لايجيء مطاوعاً لكلِّ أحد ، بل لابد من اللياقة الفكرية لتحليل المشكلة وتشريحها ، للوصول إلى " السمة المميزة " لهذه المشكلة بغية الوصول إلى "الحلِّ المناسب" لها .
   وهذا هو الوعي باختصارٍ شديد .. الوعي هو أن تعرف ماهو الشيء الذي بين يديك .. هو أن تعرف مكوِّنات المشكلة الماثلة أمامك في العمق ، لتهتدي إلى الحلِّ الذي تفرضه هذه المشكلة ذات السمة الخاصة .. تلك السمة التي نفذنا إليها بعد تسلحنا بالبصيرة والوعي الكافيين .
   ولمزيدٍ من استيعاب معنى الوعي ، وللتعرُّف إلى أهميته ، نسوق المثال التالي :
   عندما داهمت الحياة المعاصرة مجتمعاتنا ، بما تزخر به من وسائل حديثة كـالمذياع والتلفزيون ، والصحن اللاقط (الدش) ،والذي وفد في فترةٍ متأخرة ، أخذ بعض المتدينين بنيِّةٍ سليمةٍ ودوافع طيبة ، بخيار "المنع" ، ظنَّاً منهم بأنَّ في وسعهم "السيطرة" على هذا الوافد الجديد ، ليكون تداول هذه الأجهزة محدوداً ، أو ممنوعاً في الحدِّ الأحسن ، وذلك غاية المنى في نظر أصحابنا هؤلاء . هذا إذن ماكانت تتوسمه شريحةٌ إجتماعيةٌ من أنه سيكون الصورة الآتية للمجتمع المتدين وأن المسار المستقبلي ذاهب إلى تلك الغاية .   
   ولكنَّ الأمر ، كما نعرف جميعاً ، ذهب إلى النقيض من ذلك ، حيث صارت هذه الأجهزة جزءاً مهمَّاً من حياة الناس ، وأصبحت مصدراً لمتعتهم وللإطلاع على مايفيدهم من قضايا الحياة ومستجداتها ، ووسيلةً أساسيةً للإتصال بالعالم ، مما يعني أن أي محاولة للتفكير بعزل الناس عن هذه الأجهزة ستكون أمراً متعذِّراً ، بل ربما كانت مثاراً للسخرية ، بل فرصةً ذهبيةً لإلصاق سمة التخلف والرجعية لمن يسعى إلى ذلك .    
   ولكي نتعرف إلى النقطة اللائقة التي سيقف عليها الإنسان الواعي في مثل هذا الموضوع ، لابد من استعادة عنصرٍ أساسيٍ ذكرناه ، وهو أن الإنسان الواعي ، صاحب البصيرة الوقَّادة ، لابد أن يشرِّح القضية التي تواجهه ، من أجل أن يمسك بالجانب العميق في الموضوع ، والذي يرتكز الحل على استحضاره وتسجيله . فما هو الجانب الأهم في مثل القضية التي بين أيدينا ، والتي سيتوقف عليه تحديد الموقف اللائق من الأجهزة الحديثة ؟   
   والجواب فيما نحسب ونعتقد يتوقف على أن نعرف موقعنا الحقيقي في واقع العالم الذي نعيشه : فهل نحن الطرف الأقوى في هذا العالم أم الأضعف ؟ هل نحن الطرف المؤثر أم المتأثِّر ؟ هل نحن الطرف الذي يُحدِّد سمةَ العصر الذي يعيش بداخله أم نحن الطرف الذي يُدفعُ إلى سِماتٍ حضاريةٍ تُحدَّدُ له ، ليجد نفسه منحدراً إلى قرارها ؟   
   إن مثلَ هذه الأسئلة لايمكن أن تغادِرَ ـ فيما نحسب ـ من يريد أن يصل إلى حلولٍ واقعيةٍ ومصيبةٍ لمثل هذه المسائل .  
   ذلك أن الإنسان العاقل ، الواعي لما يقول أو للقضية التي يريد أن يعالجها ، عليه أن يحدِّد أولاً إمكانية معارضة هذا التطور الحاصل ، ومدى تأثير خيار الرفض والممانعة .   
   فإن لم يكن للرفض وقعٌ ولا تأثير ، وإذا كنا الطرف الأضعف حضارياً والأقل تأثيراً ، فلامعنى لاستنزاف الطاقات في الهتاف والإفاضات الإنشائية تحشيداً لمقاطعة هذه المنتجات الحضارية ، وإذا لم نكن قادرين على ضبط إيقاع التأثر الحضاري ، كما أثبتت التجارب المتلاحقة ، فلأي شيءٍ تُستنزف الطاقات ويمُارس التحشيد النفسي[2] ؟!
   ومن ذلك نتبين معنى الوعي وفائدة تعميقه : فهو الضمانة على تحديد الزاوية المناسبة لدراسة قضايانا والنظر فيها ، لتحديد الموقف اللائق منها [3] . 
   ونضيف أن تعميق النظر الواعي والقوة في استحضار الخيارات الواعية والإلحاح على تطبيقها ، يضمن لنا السلوك الصائب ، ويقينا من التخبط والضياع بين الأفكار الركيكة ، ويحصِّننا من تراكم المضاعفات الضارَّة للخيارات الخاطئة .
   بقي أن نلفت الأنظار إلى شيءٍ مهم في تحديد الوعي وفق المعنى المطلوب ، الذي يتجلى فيه النضج واللياقة الفكرية ، وهو أن الوعي بما يمثِّله من نظرٍ سديد للقضايا المختلِفة ، يختصُّ بالنضج الفكري الذي يأتي في لحظة التحدي .. في لحظة اشتجار الآراء ، ليحدِّد لنا الخيار المناسب في قضايانا المتنوِّعة ، ولنتّقي به التبعات الضارَّة والفادحة للخيارات السيئة ، مما يعني أنَّ إدراك الخيار السديد والمناسب بعد تحقق السقطات الحضاريِّة أو السقوط الفردي ، لايُعدُّ إدراكاً واعياً ولا محموداً ؛ إذ في تلك اللحظة وبعد قوع الفأس في الرأس ـ كما يقال ـ سيتساوى الجميع في معرفة مآلات الأمور : سواء من كان في غاية النضج والبصيرة ومن لم يكن له في الحصافة والوعي شروى نقير !


[1] في حدود الإستعمالات المتقدِّمة .
[2] لايعني ذلك بحالٍ من الأحوال القبول بالإستسلام والرضا بالإستلاب لكلِّ مايفد من خارج مسلكنا الحضاري والفكري ، فليس في الكلام تعميمٌ بقبول كلِّ شيء .
[3] هذا كما يقال من تعريف الشيء بلازمه ، أي من خلال الأمور المترتبة عليه .

أصول في اللياقة الفكرية (5)



   الإصغــــــــــاء  
   الإصغاء وسيلةٌ مهمَّةٌ من للإتصال بما يدور حولنا ولما يقال ويثار ، ولما يعنينا من قضايا الحياة ، ولما يرجع إلى منافعنا المؤثرة .     
   يظنُّ البعض أنَّ الإلقاء موهبةٌ استثنائيةٌ : يختص بها فريقٌ من الناس وتُحرَمُ منه الغالبية ، أمَّا الإصغاء فالناس فيه كأسنان المشط .   
   وهذا في الواقع خلط بين السمع ، والذي هو فاعليةٌ يحوزها كل من كان له جهاز سمعيٌ سليمٌ ، وبين الإصغاء الذي يعني " الإتصال المثمر " بالآخرين .   
   ونحن جميعاً نلاحظ في كثيرٍ من الحالات ـ نتيجة غياب الإصغاء الفاعل ـ  أناساً يتناقشون ولاتفلح نقاشاتهم ، أو يتحاورون فتتعثر حواراتهم .  
   وهؤلاء ليس من الضرورة أنهم ليسوا أهل خُلقٍ أو أنَّهم يهدفون إلى استفزاز الآخرين أو إضاعة الأوقات ، ولكنَّ الإصغاء فنٌ له أصول ، والدخول إلى حواراتٍ مثمرةٍ له شروط تُنجحه ، وموانع تصدُّه عن النجاح .  
   ونحن من خلال النقاط التالية ، متعرِّضون إلى نمطين إشكاليين لبعض العراقيل التي تعيق محاوراتنا عن الوصول إلى الغاية ، وتحرمنا من الإصغاء والإستقبال المنشود . 
   وسيتأكد لنا بعد التعرُّض لهذين النمطين الإشكاليين أن الإصغاء أمرٌ يستحق التخطيط والبناء ، وأنه نشاطٌ يستحق التنظيم ، ذو مآخذ لطيفة .   
1)   غياب الفهم الدقيق :
يتعثر النقاش أحياناً نتيجة أنَّ أحد طرفي النقاش لم يفهم الطرف الآخر .
وليس الفهم هنا هو الفهم الذي يقف حائلاً بين المختلِفين في الإنتماء اللغوي .  
   بل المقصود هو توجيه النفس للمعنى الذي يقصده المتحدِّث ، لا المعنى الذي تنساق إليه أذهاننا للوهلة الأولى .    
   وكمثالٍ بسيطٍ ومجرَّبٍ على ذلك ، مانشاهده في الحالات التي يجتمع فيها أفرادٌ مختلفون في مجلسٍ واحد ، حيث نجد أنَّ أحد الحاضرين يطالب بتشغيل جهاز التبريد (المكيِّف ) لأنَّه "يشعر بالحرارة " .  
   وهنا ربَّما لايعترض الحاضرون على هذا الخيار ، ولكنهم قد يستغربون ، أو يستغرب البعض منهم على هذا الطلب ؛ لأنَّ درجة الحرارة غير مرتفعة ، بل معتدلةٌ جداً ، فما هو السبب وراء الدعوة إلى تشغيل جهز التكييف .   
   وهذا المثال على الرغم من بساطته ، إلَّا أنه ذو مجالٍ تطبيقيٍ واسع ، ذلك أنَّ استيعابه سيلفتنا إلى السرّ وراء عدم انتقال بعض تصوراتنا ومشاعرنا أثناء اللقاآت والأحاديث المتبادلة .    
   فنقول : إنا لو دققنا في المثال المتقدِّم ، لوجدنا أنَّ المتسائل المستغرب لم يفهم الطلب على الوجه الدقيق ، ذلك أنَّ من كان يطلب تشغيل المكيِّف ، لم " يصف " الجوَّ بالحرارة ، بل أخبر بأنه هو " يشعر " بالحرّ ، صارفاً النظر عن الإخبار بدرجة الحرارة ، وغير ملتفتٍ إلى شعور المحيطين الخاصِّ بهم .   
   أي انه كان يتحدث عن شيءٍ لم ينتبهوا إليه ، واستغربوا من شيءٍ لم يقصده !  
   وهذا مثالٌ مصغّرٌ لقضيةٍ عابرة ، لوتأمَّله الإنسان لوجد خيطاً رفيعاً يصل هذا المثال بأمثلةٍ أخرى من واقع الحياة ، ترتبط بقضايا أكثر أهمية .. فالعبرة بأهمية الخلفية الفكرية للمثال ، لابدرجة أهميته .
   وهذه الآفة في الإصغاء ، على الرغم من أنَّها في غاية الوضوح بعد الشرح ولفت الإنتباه ، إلَّا أنها تكون في غاية الغياب عن الشعور أثناء التطبيق العملي ، فالوقوع في اللبس بين المتعاشرين بسببها ، في غاية السهولة .
2)   تفاوت النضج الفكري :  
   الفكر الإنساني له أطوار تشابه أطوار الكائنات الحية من حولنا ، فهو يقبل التطور والتربية ، وينمو ويثمر كما تنمو الغراس والزرع وكما يثمران .
   ولايتوقف الأمر عند النمو والثراء فحسب ، بل إنَّ ما كان قبل الوصول إلى النضج الفكري منكراً ، أصبح بعد سطوع الفكرة العلمية أمراً صحيحاً مُسنَداً .